ضوابط فى تسبيب الأحكام
لفضيلة الشيخ عبدالرحمن التويجري
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله واله
تسبيب الأحكام من المكونات الرئيسة للصك وهو مقياس اتقان القاضي وبه يظهر مدى استيعابه للقضية وصحة
تكييفه للواقعه ورصيده المعرفي من النصوص الشرعية والقواعد الفقهية وأقوال أهل العلم والمواد النظامية لذا وجب الاهتمام به وضبطه وأشير هنا على عجل إلى أهم الضوابط وما يحسن وما لا يحسن ذكره في التسبيب :
١/ من أركان التسبيب ذكر المستند الشرعي والنظامي والقضائي
أما المستند الشرعي فهو النص من كتاب أو سنة أو الأدلة الشرعية الأخرى كالإجماع والقياس والمصلحة وقول
الصحابي ونحو ذلك
ومن المستند الشرعي القواعد الفقهية والأقوال المعتبرة للفقهاء والعلماء
وأما المستند النظامى فالأ نظمة والتعليمات والتعاميم ونحو
. وأما المستند القضائي فهو المبادئ والسوابق القضائية
٢/ أسباب الأحكام نوعان
الأول : الأسباب العامة ( الأدلة والنصوص ) وهي المذكورة في الفقرة الأولى
والثاني : الأسباب الخاصة ( الوقائع ) وهي ما يصدر من أحد الخصمين من اقرار وشهادة ورجوع ونحوه
ولا بد في التسبيب من النوع الثاني من الربط بين السبب الصادر من أحد الخصمين والنتيجة لهذا السبب فمثلا
عندما يشهد المشهود عليه بعدالة شاهدي خصمه فلا حاجة هنا لتزكية الشاهدين فيقال في التسبيب وبناء على
شهادة الشاهدين المعدلين من المشهود عليه
٣/ التسبيب لا بد أن يتضمن مناقشة الأدلة ووسائل الإثبات التي يقدمها الطرفان وبيان الصحيح منها من الفاسد والمؤثر وغير المؤثر وأسبا رد المردود منها كليا أو جزئيا وهذا في الأسباب الخاصة ( الوقائع ) دون العامة والأدلة
٤/ في أحوال متعددة يتضمن التسبيب الإشارة الى قرائن وشواهد ظهرت أثناء المرافعة يستنتج منها القاضى
” ترجيحا لأحد الطرفين فهنا لا بد أن ينص القاضى على ذلك وكيف استنتج من القرينة ما استنتجه وهذا نص
عليه الفقهاء ونص عليه النظام أيضا وأميل أنا إلى عدم التوسع في هذا المجال لأنه ربما يستجر القاضى إلى إهمال بينات واضحة مجرد وجود قرينة من هذا النوع وربما كانت القرينة لا أثر لها فربما ارتبك محق وثبت مبطل
٥/ من المهم في التسبيب مراعاة التسلسل في القضية فيذكر أولا طلب المدعي ثم دفع المدعى عليه ثم البينات ثم الدفوع والطعون ثم التكييف ثم الأدلة والمستندات الشرعية والنظامية ثم الحكم
وهذا ترتيب شكلي وتسلسل صوري فلو قدم شيء على شيء فلا ضير غير أن الحبك مطلب
٦/ التوثيق في التسبيب يمكن تقسيمه إلى ثلاثة أقسام
أ- ما لا يحتاج إلى توثيق كالآيات القرآنية والأحاديث المشهورة والقواعد الكلية
ب- ما لا يلزم توثيقه وإن وثق فهو حسن كالأحاديث غير المشهورة أو النقول المشتهرة المتداولة كقضايا المخدرات
والإفساد في الأرض مثلا
ج – ما يلزم توثيقه وهو الضوابط أو القواعد التي ينص عليها بعض أهل العلم وهي في موضوع الحكم أو الأقوال
غير المشهورة أو ما انفرد به مذهب أو عالم
وفي التوثيق ينبغي الربط بالكتب والأ بواب لا الطبعات والصفحات لأن الأبواب لا تختلف بخلاف الطبعات
٧/ التسبيب إجمالا وتفصيلا يختلف باختلاف القضايا وضوحا وغموضا ظهورا وخفاء فالقضايا الظاهرة البينة لا
تحتاج إلى إطالة في التسبيب فمثلا إذا كانت الدعوى في قرض أقر به المدعى عليه فيكفى في التسبيب أن يقال
ولإقرار المدعى عليه فلا حاجة لذكر وجوب القضاء وحكم القرض وكون الإقرار سيد الأدلة وأنه صدر باختيار وما
الى ذلك
وأما القضايا التي يخفى مأخذها أو يدق وجه الحكم فيها فهذه يفصل فيها ويستقصى التسبيب فيها
٨/ ينبغي تجنب التكرار الكثير في التسبيب سواء في الأدلة أو سياق أقوال العلماء فعلى سبيل المثال في قضايا
السرقة مثلا الأولى أن يستدل بالنصوص الخاصة بالسرقة كقوله تعالى ( والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما ) ولا
يزاد على ذلك بعمومات أخرى كقوله تعالى ( ولا تعتدوا . ) وغيرها من النصوص العامة
ومثل ذلك في أقوال العلماء فعلى سبيل المثال إذا نقلت عبارة ابن قدامة في المغنى أو الكافي فلا حاجة لنقل كلام
. صاحب الكشاف أو المبدع ونحوهما لأن كلام هؤلاء إنما هو نقل لكلام الموفق ومثله
٩/ لا تقتصر أهمية التسبيب على الحكم فقط بل التسبيب في الاجراءات مهم أيضا
فتسبيب رفع الجلسة مهم جدا فرفع الجلسة يعني تأجيل الفصل في الدعوى وهو إما أن يكون بناء على طلب
المدعي او المدعى عليه أو لاقتضاء النظر كتطبيق صك أو سؤال الخبراء ونحو ذلك أو لأمر عائد للقاضي كالتأمل والمراجعة وكذا تسبيب شطب الدعوى وايقاف النظر وانقطاع الخصومة وغيرها من الاجراءات
كل هذا لا بد من التسبيب له في الجانب النظامي والواقعي حسب سير الخصومة وما يطرأ عليه
١٠ / لا بد من التفريق بين التسبيب القضائي والبحث العلمي فالقصد من التسبيب ذكر مستند الحكم شرعا
ونظاما من غير إطالة ولا مناقشة ولا توسع في الأقوال والتخريج والشرح والبيان فلا ينبغي أن يتحول التسبيب الى بحث وتأصيل وتخريج وتفصيل بل إن من إتقان القاضي وتمكنه اختصار التسبيب والاقتصار على موضع الاستشهاد دون مجمل النص
هذا ما أردت التنبيه إليه من ضوابط التسبيب والله أعلم